محمد بن محمد ابو شهبة
272
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
من التأثير ما يتجلّى في ذهنه ، ويحدث في عقله الباطن الرؤى والأحوال الروحية ، فيتصور ما يعتقد وجوبه إرشادا إلهيا نازلا عليه من السماء ، وقد يسمعه يقول ذلك ، وإنما يرى ويسمع ما يعتقده في اليقظة ، كما يرى ويسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند الأنبياء ، فكل ما يخبر به النبي من كلام ألقي في روعه ، أو عن ملك ألقاه على سمعه فهو خبر صادق عنده ، ولكن تفسيره عندنا ما ذكرنا من أن ما تخيله إنما هو نابع من نفسه ومن عقله الباطن . ولأجل أن يؤيدوا فكرتهم الباطلة هذه ذكروا مقدّمات زعموا أنها كانت أساس هذا العلم النفسي الباطني الذي فاض على لسان النبي وقال إنه وحي ، فزعموا أنه استفاد من رحلاته مع عمه أبي طالب التي لقي فيها الأعراب وسمع منهم ، وأحبار اليهود والنصارى وأخذه عنهم ، وأنه استفاد أيضا معلوماته عن اليهودية والنصرانية بسبب انتشار هاتين الديانتين في بلاد العرب ، وما سمعه من متنصّرة العرب : كقس ، وأمية بن أبي الصلت ، وورقة بن نوفل ، وأنه استفاد أيضا من رحلتي الشتاء والصيف ، ومن الخلوة بغار حراء ، وانقطاعه إلى عبادة اللّه ، والتأمل والتفكير في خلق السماوات والأرض ، حتى خيّل إليه أنه النبي المنتظر الذي سيبعثه اللّه لهداية البشر ، بل وسمع الكثير من القصص من اليهود والنصارى الذين كانوا يسكنون جزيرة العرب ولا سيما مكة التي كان فيها جالية كبيرة من النصارى ، ولقد حاول درمنغم أن يثبت تعرّف النبيّ بكثير من النصارى بمكة ، حتى ليخيل لقارىء ما كتب أن النبي كان يعيش في بيئة نصرانية « 1 » . تفنيد هذه الفكرة أما هذه الأمور التي استندوا إليها فهي من خيالهم ، وقد قدّمت الرد عليهم في كثير من هذه الادعاات ، وأنهم تقوّلوا على التاريخ وعلى الواقع حينما زعموا هذه المزاعم ، وأن النبي لم يأخذ عن أحد من أهل الكتاب ، ولا عن متنصّرة العرب شيئا ، وإلا لواجهوه بالحقيقة حينما جادلهم وفند مذاهبهم ، وأبطل عقائدهم ، ثم إن النصرانية كما شهد بذلك الأحرار من النصارى كانت فاسدة ،
--> ( 1 ) حياة محمد ، لدر منغم ، ص 125 - 126 .